سوق حباشة ( حقائق تاريخية وأهواء بشرية )
سوق حباشة من أسواق العرب المشهورة في الجاهلية وصدر الإسلام ، وقد تواتر قول القدامى من أمثال الأزرقي والبكري ، والمعاصرين وإمامهم في هذا علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد الحاسر رحمه الله ، على أن سوق حباشة في ديار الأوصام من بارق، إلا أنه من الملاحظ في الآونة الأخيرة أن الأهواء البشرية تريد أن تعبث بالحقائق التاريخية ، معتمدة على أقوال اجتهادية جانبها الصواب ، منادين ومصرين على أن سوق حباشة في قنونا وحجتهم في هذا الأمر محاولات عبدالله بن حسن الرزقي في كتابه ( سوق حباشة دراسة تاريخية موجزة ) و كتاب حوليات سوق حباشة للإستاذ الدكتور عبد الله أبو داهش ، وماورد فيه حول سوق حباشة ولعله الداعم الأقوى لكل من يذكر أن سوق حباشة في حداب القرشة بوادي قنونا ولي في هذا الشأن وقفات موثقة بإذن الله :
الأولى : نقد الدكتور عبد الله أبو داهش للدراسة التي قام بها عبد الله بن حسن الرزقي في كتابه حوليات سوق حباشة (عدد خاص بموقع سوق حباشة وبعض أخباره) عدد15س15 1430هـ 2009م حيث يقول: في ( ص )( لقد حاول الدارس عبد الله بن حسن الرزقي في كتابه ’’ سوق حباشة دراسة تاريخية موجزة) أن يُلقي الضوء على موضع هذا السوق وما يتصل به من آثار ، لولا أن علمه في هذا الكتاب لم يسلم من : التصحيف ، والتحريف ، وبعض المآخذ العلمية ) وهذه شهادة كافية على عدم أهلية هذه الدراسة لتحديد موقع السوق .
الثانية : تأرجح موقف الدكتور عبد الله أبو داهش بين الجزم والنفي في كتابه حوليات سوق حباشة (عدد خاص بموقع سوق حباشة وبعض أخباره) عدد15س15 1430هـ 2009م ففي ص 39 يجزم بقوله : وخاتمة القول : إن هذا السوق التي يظن بوجودها في صدر وادي قنونا أنا هي بالفعل فيه.وفي ص 40ينفي بقوله ( وعند بحثي الميداني فيها لم أعثر عبر تجوالي في الموضع ، ولا صحبي عل شيء من : النقود ، أو العلامات الفارقة ، سوى حجر صغير أبيض بحجم قبضة الكف فيه حفرة صغيرة في وسطه يظنها الناظر وعاءً للمداد على استبعاد ذلك تماماً ) ومعنى هذا عدم وجود شواهد ودلائل لوجود السوق .
الثالثة : وهي الأهم تفنيد الشيخ حمد الجاسر رحمه لما أورده حسن بن إبراهيم الفقيه من أن سوق حباشة في قنونا في المجلة العربية (العدد 242السنة 21 ربيع الأول عام 1418هـ يوليو /أغسطس 1997م ص 100و101 )حيث يقول مانصه :
حوليات سوق حُبَاشَة هذا عنوان كتاب يحوي اثني عشر بحثاً للأستاذ الدكتور عبد الله بن محمد أبو داهش تحقيقاً أو دراسة سوى واحدٍ منها عن (حُبَاشَة) بقلم الأستاذ حسن بن إبراهيم الفقيه، ولي وقفة قصيرة عند الحديث عن (سوق حباشة) ذلك أن حبيبنا الأستاذ حسن بن إبراهيم الفقيه أتى بمعلومات موجزة عن ذلك السوق، ويبدو من نشر مصور جغرافي لموقعه منسوباً إلى مجلة (العرب) أن الباحث الكريم قد اطلع على بحث منشور في تلك المجلة قبل أكثر من عشرة أعوام (من ذي القعدة وذي الحجة 1405هـ). ولن أعتب عليه، إن كان قد اطلع على ذلك البحث، عدم الإشارة إليه، فقد سلك نهجاً ليس هو الأول من سالكيه، ولكنني سأبدي ملاحظات موجزة عن تحديد موقع ذلك السوق، وعن إعادة رسم المصور الجغرافي الذي بدا في الكتاب غير واضح، وفي وقفات قصيرة عندما ورد في كلام الأستاذ الفقيه، مع ملاحظة أن كل ما نقل من الأقوال عن تحديد السوق قد أوردتها في البحث المشار إليه.
1- أورد الأستاذ الفقيه من كلام الأزرقي بهذا النص: (في ديار الأوصام من بارق إلى صدر قنونا وحلي في ناحية اليمن).وفي هذا الكلام خطأ يغير المعنى، وصواب كلام الأزرقي هو: (وهي في ديار الأوصام من بارق من صدر قنونا وحلي).
2- - قال الأستاذ الفقيه قوله: (في ديار الأوصام من بارق يزيد من عبء الباحث إذا علم أنه لا يُعْرفُ في الحاضر أو الماضي اسم لقبيلة أو أرض بهذا الاسم (الأوصام) وإن كنت عددته تحريفاً لاسم (الاواس) القبيلة الأزدية التي حلت هذه السوق في ديارها آنذاك من صدر قنونا، وهو الموقع الذي يُعَد أقرب إلى الصواب في انه يبعد ست ليال عن مكة). وغريب حقاً أن يقول الأستاذ حسن: لا يُعرَفُ في الماضي ولا الحاضر اسم لقبيلة أو أرض بهذا الاسم (الأوصام) أليس من الحسن أن يقال: لا يُعرف في الزمن الحاضر، أما الماضي فقد عُرفت قبيلة باسم (الأوصام)، وجهل الأستاذ الفقيه لها ليس من العلم في شيء، وكان الأولى القول: بأنه هو نفسه لا يعرف، أما نفي العلم عن غيره فلا يتفق مع الحقيقة.
3- - متى حلت قبيلة الإواس من موقع هذا السوق وما هو المصدر الذي يعول عليه في ذلك؟إن إطلاق القول هكذا، غريب من محقق فاضل كالأستاذ حسن الفقيه.لقد أورد علماء النسب وإمامهم في ذلك ابن الكلبي، ذكر قبيلة تدعى (الأوصام) من بارق، فقد جاء في (مختصر كتاب جمهرة النسب) مخطوطة راغب باشا ص209 - ما نصه: (ومن بني ثعلبة بن عمرو الأوصام وشبرُ ولوذان والنَّباج قبائلُ كثيرة فمن الأوصام الشاعر وسنان بن أبي عطاء، قتلته الحجرُ بطنُ في السراة، ومُنْذر بن عوفٍ الشاعرُ).وجاء في كتاب (نسب معد واليمن الكبير) - ج2 ص465 -: (وولد ثعلبة بن عدي بن حارثة حارثة، فولد حارثة ابن ثعلبة شنوا ولوذان والنباح والأوصام قبائل جماعة). وثعلبة بن عدي هو أخو بارق بن عدي، وقد جاء في كتاب (الإنباه على قبائل الرواة): وأما بارق: فماء بالسَّراة، فمن نزله أيام سيل العرم كان بارقياً، ونزله سعد بن عدي بن حارثة، وابنا أخيه مالك وشبيب ابنا عمرو بن عدي بن حارثة فسموا بارقاً).
4- - وقال الأستاذ حسن عن (الأوصام): (وان كنت عددته تحريفاً لاسم (الاواس) القبيلة الازدية التي حلت هذه السوق في ديارها آنذاك من صدر قنونا، إلى أن قال: (وكانت الاواس صاحبة الموقع على نحو ما فصلت عنه في البحث المطول الذي أعددته عن هذا السوق، وعزمت أن أنشره قريباً إن شاء الله).
لعل مما يفيد الباحث هنا أن يعرف ان الاواس من القبائل الازدية التي تقطن السراة، فقد جاء في كتاب (تاريخ العرب قبل الإسلام) المنسوب خطأ إلى الأصمعي: (سألت أبا علي الهجري عمن خرج مع أحمس بن أنمار، فقال خرج معه بنو بجيلة بن أنمار، وبنو أقبل بن أنمار، فسألته عن أقبل، فقال: منهم شهران وكود وناهس والأوس وإواس - إلى أن قال - هذه القبائل تعرف بخثعم وبجيلة.
وفي كتاب مغلطاي (الاتصال في مختلف النسة): الإِواس - بكسر الهمزة - أبو أحمد الإواسي من شهران من خثعم، قال أبو علي الهجري: أنشدني رجزاً له. وقال الرشاطي: الإِواسي في الأزد، ذكر الهمداني قال الشنفرى بن مالك الإِواسي، ثم أورد له أبياتاً على قافية التاء. وفي (مختصر الفاسي لكتاب الرشاطي): الإِواسي في خثعم، وفي (معجم البلدان) رسم (عِيَار): هضبة في ديار الإِواس بن الحجر ويوم حراق من أيامهم، غزت غامد الإِواس بن الحجر، فوجدوا خمسين رجلاً من الإِواس في حضار، فأحرقوهم في هضبة يقال لها (عِيار) فقال زهير الغامدي:
نبغي الإواس بأرضها وسمائها=حتى انتهينا في ذوابة يكبدا
حتى انتصبنا في عيار كأننا=أظبُ وقد لبد الرؤوس من الندا
مما تقدم يفهم: أن الإِواس كانوا من خثعم، فدخلوا في قبيلة الحجر كغيرهم من قبائل خثعم، وبلاد هؤلاء لا تزال معروفة.
5- لقد كان من الأولى، وقد اختير لهذه الأبحاث اضافتها إلى اسم (سوق حُبَاشَة) أن يحدد الأستاذ الفقيه، وهو من أهل تلك الجهة، موقع ذلك السوق باختصار، إذ لم ير المناسبة داعية إلى نشر بحثه كاملاً. ومن هنا: فقد حسن إيراد ما جاء في مجلة (العرب) عن تحديد الموقع: (في الجزءين الخامس والسادس الصادرين في شهري ذي القعدة وذي الحجة سنة 1405هـ - ص291) بعد إيراد طائفة من الأخبار، وأقوال المتقدمين عن ذلك السوق: (وقبيلة بارقٍ التي يقع سوق حُباشة في بلادها لا تزال معروفة مستقرة في مواطنها القديمة التي هي في غور سراة عنزٍ والحجر، وهي ازدية قحطانية، صريحة النسب من مازن بن الازد، وقبيلة بارق أخت قبيلة ألمع التي لا تزال في بلادها القريبة من بلاد بارق، وقد تحدثت عنها في كتاب (في سراة غامد وزهران). ويحد بلاد هذه القبيلة من جهتي الشرق والشمال بلاد بني شهر من الحجر من الازد أيضاً. وبارق بلادهم منتشرة في صدور قنونا، وما حولها من فروع الأودية. ووادي قنونا من أشهر الأودية التي تخترق تهامة حتى تبلغ البحر عند ميناء القنفذة. وهذا الوادي لا يلي وادي حلي - كما يُفهم من كلام الازرقي - بل يفصل بينهما وادي يبه (يقع وادي قنونا على خط العرض: 10َ-19ْ وجنوبه وادي يبة على خط عرض: 00َ- 19ْ - ثم وادي حلي: 40َ - 18ْ - على وجه التقريب). والأودية الثلاثة مشهورة قديماً، ومعروفة الآن.
الرابعة : أحمد للأستاذ الفاضل الدكتور عبدالله أبوداهش أمور وأعتب عليه في أمور ، أما الأمور التي أحمدها له فهي :
1- اتخاذه سوق حباشة عنواناً لكتابه لافتاً الأنظار إلى إرث تاريخي مميز تميزت به قبائل بارق .
2- شفافيته الملحوظة عند حديثه عن كتاب الرزقي ، ومشاهدته الميدانية لما يظن أنه موقع سوق حباشة.
3- جهوده المتميزة في أظهار أدبيات وموروث منطقتنا بشكل علمي مؤصل
أما الأمور التي أعتب عليه فيها فهي تتمحور حول سوق حباشة وتتمثل في الآتي :
1- عدم إراد أو على لأقل التلميح لرد الشيخ حمد الجاسر على الاستاذ حسن بن إبراهيم الفقية الذي نشره في المجلة العربية من عام 1418هـ والذي يتعلق بسوق حباشة في عدده الخاص بسوق حباشة وأخباره ، مع العلم أن الموضوع يخص سوق حباشة .
2- الجزم بوجود سوق حباشة في قنونا مع أن الجزم في هذه الأمور يحتاج إلى التريث ، حيث لاعلامات فارقة كما قال، وكذلك لاشواهد تصل إلى درجة الجزم وكان الأولى وهو الأعلم بذلك أن يرجح ، إذأن الإسنتاجات التي بنى عليها جزمه من أن صدر قنونا كان من قبل ضمن حواربلاد بارق ، ومن ولاياتها لم تغب على الشيخ حمد الجاسروهومن هو وقد تعرض لموقع سوق حباشة كما ذكر في معرض رده على حسن الفقيه إذ أنها ليست دليلاً قاطعاً ولامستأنساً به على وجود السوق بتلك الجهات.
3- عدم تقصي حقيقة سوق حباشة في بلاد بارق وهي مليئة بماذكر أثاء زيارته لقنونا من ردوم ، وحجارة مركومة، وقبور ودوائر ظاهرة في الأرض إذا كان في هذا دليل لوجود السوق .
4- محاولة سلب قبائل بارق من إرث تاريخي عريق وإهدائه لقبيلة أخرى عبرزيارة خاطفة ، ومن خلال استنتاجات اجتهادية قابلة للصواب والخطأ.
وأخيراً أشكر الاستاذ أحمد عسيري الذي أثار هذا الموضوع في صحيفة الوطن ، بحثاً عن الحقيقة ، فشكر الله له وكثر من أمثاله ، وقد لاحظت هذا الأمر مذ زمن إلا أني لم أعر الموضوع اهتماماً ، كونه يحتاج إلى جهات مختصة ،تبعث اللجان المتمكنة في الأمر للوقوف على حقيقته ، إلا أنه وبعد ما تعالت الأصوات المنادية ، بإعتماد السوق في قنونا ، وتعاقب تصريحات المسؤلين في تلك الجهة منهم محافظ القنفذة ومدير بلدية ثريبان ، أصبح لزاماً توضيح الحقائق ليكون للهيئة العامة للسياحة والآثار وهي المعنية بهذا الأمردورفعال إزاء الأصوات القائلة بأن سوق حباشة في قنونا ، ببعث المختصين في التاريخ ولآثار للوقوف على حقيقة سوق حباشة وارتباطه الوثيق عبر العصور بتاريخ بارق ، ووجوده في بلاد بارق ، ولاتتيح الفرصة لمن يتخذ الأقوال الاجتهادية ذريعة لتغيير مجريات التاريخ وفقاً لأهوائهم وتحقيقاً لرغباتهم ومصالحهم .