المقالات

عبور المضائق

نجاح القيادات في عبور لجج الملمات وخوض بحور الأخطار وتجاوز قلب العاصفة والخلاص من فك المصائب والاستفادة من التجارهو نبراس البقاء وعنوان الفلاح في التربع على هامة الحكم وتسنم قيادة الشعوب.
وذكرى توحيد هذه البلاد تحلق بنا في فضاء الظروف التي اكتنفت تلك الحقبة التاريخية (فترة تأسيس وتوحيد المملكة العربية السعودية)التي تعد من أصعب الفترات التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط والعالم عموماً إذ تخللها نشوب الحرب العالمية الأولى والذي تلاه الركود الاقتصادي العالمي وما نتج عنهما من أحداث جسيمة في المنطقة والعالم وبعدها نشبت الحرب العالمية الثانية التي أنهت وجود دول وامبراطوريات عظمى وأنهكت القوى المنتصرة وكان وقودها الشعوب المتصارعة واكتوى بلهيبها كل الأطراف دون استثناء ، والخروج من تلك الأحداث الجسام بحد ذاته إنجاز يجيَّر للقائد وللشعوب الصامدة و هو من أكبر الانجازات .
والمملكة العربية السعودية عاشت تلك الحقبة الزمنية الصعبة، وهذا من أقسى اختبارات القيادة والنجاح في تجاوز المصاعب ،وقد شاء الله سبحانه لهذه البلاد النهوض والترقي إلى أعلى مراتب المجد ،وبلوغ مراحل النضج في فترة وجيزة من أعمار الأمم والبلدان ،ففي غضون سنوات قلائل أصبحت قوة اقتصادية كبرى ،ومرجِّح لميزان الاقتصاد العالمي ؛بما أفاء الله عليها من خيرات ومنها اكتشاف النفط وتصديره للعالم ، بل واحتلال المرتبة الأولى في هذا المجال ،وكان هذا الأمر في ظل صراع الأقوياء آن ذاك للسيطرة الاقتصادية والعسكرية على مصادر الطاقة ، وبتوفيق الله وفضله نجحت قيادة هذه البلاد في عقد تحالفات خدمت مصالح هذه البلاد ، وذللت لها الصعاب واجتازت بها فترة انتقالية في العالم بأسره بنشوء نظام عالمي جديد يقوده الاقتصاد ولا يخلو من الصراعات السياسية والحربية في كثير من فتراته ،وكل ذلك يدور في جُل مقاصده وكبير تداعياته حول مصادر الطاقة ،وكون المملكة محط أنظار الطامعين يجعلها في خطر بالغ إن لم تكن قادرة على حماية نفسها وحماية مصالحها ،وكان لزاماً على فيادتها بناء تحالفات قوية وتكتلات عميقة تقيها ملمات تلك الفترة وما عضويتها في المنظمات الدولية والإقليمية إلا شاهد على ذلك ،فكانت هذه البلاد عضواً مؤسساً في الأمم المتحدة ومنظمات إقليمية كالجامعة العربية ومنظمة دول عدم الانحياز والمؤتمر الإسلامي وكان الفضل لله أولاً ثم لتلك التحالفات لعبور خضم تلك الفترة .
وعطفاً على مقدمة هذا المقال ،لم تسلم فترة التأسيس والنشوء لهذا الكيان العظيم (المملكة العربية السعودية) من المنغصات ، بل من الإشكالات الكبرى التي كانت كفيلة بتقويض البناء الناشىء ،ومنها الثورات المتلاحقة والتغيرات السياسية في المنطقة العربية وويلات الحروب وتبعات النزاع الدامي في دول الجوار وكذلك نشوء ما يعرف بدولة إسرائيل ،كل ذلك والمملكة العربية السعودية في قلب تلك الأحداث تتخذ كل التدابير لتخليص المجتمع العربي من تلك الإشكالات المتداخلة التي يصعب اتخاذ القرار الصائب فيها ، وكانت عنصراً فاعلاً في أحداث تلك الفترة وما قرار قطع إمدادات النفط ببعيد عن ذهن القارىء .
وما تلا تلك الفترة من صدمات ومنها الحروب ضد إسرائيل والحرب العراقية الإيرانية والحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفي كل مرة تخرج هذه البلاد المباركة وهي أكثر تماسكاً وترابطاً بين شعبها الأبي وحكومتها الرشيدة والحمد لله.
ثم جاءت فترة انتهاء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي بتفكك الاتحاد السوفيتي التي حسبناها الخلاص من القلاقل، ولكن قيام العراق ممثلاً في حكومة صدام حسين بغزو الكويت في مطلع تسعينات القرن الماضي كان هزة عظيمة ومحنة جسيمة للعالم عامة وللمنطقة العربية خاصة واستلزمت تلك المرحلة اتخاذ قرار مفصلي ومغامرة خطيرة بكل المقاييس السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان التوفيق من الله حليفاً لهذه البلاد في قرارها بوقوفها مع الكويت حكومة وشعباً ، ولم يكن أفضل المتفائلين يستطيع أن يصف ذلك القرار إلا بأنه من أصعب ما يمكن ،وتكوين ذلك التحالف في تلك الفترة الوجيزة والنجاح المنقطع النظير في الخروج بالنتائج المرجوة ،ومن أهمها تحرير الكويت،وقد عاش هذا البلد نتائج ذلك القرار وتداعياته السياسية و الاقتصادية ونجح باقتدار في تسيير أموره والخروج بصورة لافته لكل منصف مدقق في حقائق الأمور ، ولم يكن ذلك ليتحقق إلا بتوفيق الله أولاً ثم بالقرارات الحكيمة المتبصرة السابرة لحقائق الأمور والاعتصام بحبل الله المتين وإصلاح النية ، هكذا كانت حكومتنا الرشيدة في ملمات الفتن ومضائق الزمان وكان وعد الله بالنصر لمن ينصره متحققاً لها.
ولم تسلم الفترة التي تلت تحرير الكويت من المصاعب التي عصفت بالعالم ومنطقة الشرق الأوسط خاصة ، ومنها ظهور المنظمات الإرهابية كتنظيم القاعدة وماقام به من زعزة العالم ،وإلصاق التهم الباطلة بهذا البلد بدعوى تبعية أرباب ذلك الفكر الضال للإسلام والمسلمين ،وبالرغم من ذلك كله إلا أن هذه البلاد خرجت قوية عزيزة من أزمة كبيرة قوضت مثيلاتها من الأزمات عروشاً وممالك عظيمة فعلى الصعيد الدولي تعرضت المملكة لمضايقات كثيرة واهتزت علاقاتها بحلفاء رئيسيين ، ووضعت مصالحها الاقتصادية وسمعتها الدولية على المحك ، وعلى الصعيد الداخلي اكتوت بلادنا بنار الهجمات الإرهابية والتنظيمات المشينة الرامية لزعزعة الأمن والاستقرار في هذا الكيان العظيم ، وبفضل الله تجاوزت بلادنا كل تلك المحن وهي بحالة أقل ما يقال عنها أنها حال (تسر الصديق وتغيض العدو) ، والناظر للمملكة قبل وبعد تلك الأزمات لا يملك إلا أن يزيد يقينه بأن النصر حليف الصادقين المؤمنين بالله ،و بأن الاعتدال والوسطية في كل الأمور هو المخرج الآمن والحصن الحصين في مدلهمات الأمور وحالك ظلمة الأحداث العصيبة ، والاعتصام بالحبل المتين والعروة الوثقى هو منجاة من كل مهلَكة ، وجسر يعبر عليه أثناء عواصف الزمان ،يشفعه التلاحم بين الراعي والرعية وتذليل صعوبات ذلك بالتمسك بالثوابت والبحث عن كل ما يخدم المصالح المشتركة بين الإخوة والأصدقاء وعدم الانجراف وراء ردات الفعل العاطفية ونزعات النفس الآنية.
وإن الفاحص المتبصر فيما يدور الآن من أحداث دولية وإقليمية ومواقف حكومتنا الرشيدة منها (عاصفة الحزم)ليرى بعينه مآل هذه الأحداث وأنها تصب في المصلحة الوطنية لبلاد الحرمين الشريفين إن شاء الله ، والعاقل يعلم أن النجاح لا بد له من ثمن والمكتسبات لا تأتي بالمجان ،ونحن في هذا الوطن حكومة وشعباً لا نمانع من بذل كل ما بوسعنا للظفر بما نرجوا وتحقيق ما نصبوا إليه في إطار الحق والعدل ،المتمثل في التمسك بالوحيين والانطلاق من ركائز هذا الدين القويم الذي ارتضاه الله لخير أمة أخرجت للناس ،وما تمليه المصلحة الوطنية والعلاقات الأخوية والصداقة مع دعاة الأمن والسلام لنيل كل ذلك.
والوطن بكل مقدراته البشرية والمادية سائرٌ وفق رؤية حكيمة للوصول إلى المكان اللائق به بين الأمم -إن شاء الله -وترجمة ذلك بمشروع وطني يستشرف المستقبل ويستقي خبراته من الماضي التليد ؛دليل صريح على مقدرتنا الأكيدة لتحقيق رؤية المملكة 2030 التي نعمل من أجلها ونسعى لجعلها واقع يعيشه الجيل ،ويستذكر النجاح فيه كما نفعل الآن من استذكار نجاحات أسلاف هذا البلد في يومه الوطني ، وذكرى جميلة يسوغ لأحفادنا التغني بها وجعلها تاج فخر على هامة الأمة ،ونبراس عز على جبين زمانها ، وشهادة نجاح للقيادة الحازمة التي لا ينقصها الحزم والعزم متى ما احتاجت له ، فالحمد لله من قبل ومن بعد، وكل عام ووطني يرفل في ثياب العز والمنعة ،وينعم بالأمن والاستقرار في ظل حكومة اتخذت الإسلام ديناً ومحمداً هادياً والعدل منهجاً ،رافعة شعار العدل والبناء في كل المناحي البشرية والمادية ،حكومة جعلت همها الأول خدمة الحرمين الشريفين هي ولا ريب قادرة على جعل المستقبل أفضل من الحاضر بعون الله وتوفيقه .

محمد علي سليمان البارقي
غرة الميزان الموافق ١٤٤٠/١/١٣هـ

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock