المقالات

منتزهات القلوب

يظن البعض من الناس أن السياحة في البلدان الجميلة والأماكن البديعة من منتزهات القلوب ، ولكن هذا وهْمٌ منهم بلا شك !
والحقيقة أنها ليست منتزهات القلوب ، وإنما هي منتزهات العيون .

أما منتزهات القلوب فهي : ( رياض الكتب ، وإرث العلماء ) ، ذلك أن المتصفح لأي كتاب ما يسافر عبر الزمن بمخيلته وفكره ؛ ليرى بعين بصيرته ، ما كان في سالف القرون الماضية من قصص وأخبار ، ومِلح وأشعار ، كل ذلك يمر عليه وهو جالس في مكانه .

ومما يحضرني من ذكرياتي حدثٌ وقع لي قبل ما يقرب من عشرين عاماً ، وهو أن أحد مشايخي الأجلاء ، المربي الفاضل الدكتور : محمد بن عبد الله أبو حذاف العمري – رعاه الله – من رجالات التعليم القدامى ، وكان وقتذاك مديراً لثانوية العليا ، إماماً لجامع الكلية الحربية القديمة بالرياض ،وكنت أصلي معه أثناء خدمتي في العسكرية ، واهتم لأمري واشتدت علاقتي به ، فأخذني ذات يوم لمكتبته الخاصة والملاصقة للجامع ، وقال لي : يا أحمد لو سكنت في هذا المكان فهو أطيب لك ، واعلم أنك لست لوحدك ، بل معك ثلة من العلماء ، كابن كثير ، وابن حجر، والشنقيطي- وعد جمعاً من أهل العلم ما كنت أعرفهم ، ثم أشار بيده إلى الكتب- .
ثم دفع إليَّ بكتاب: ( صحيح القصص النبوي ) للأشقر ، وكتاب: ( هذا الحبيب يامحب ) للجزائري، ففرحت أيما فرحٍ ، وأبديت رغبتي الشديدة في ذلك ، فأعطاني مفتاحاً لها ، فأذن لي بالمكوث فيها ، وحثني على ضرورة اغتنام الزمان والمكان ، فمكثت بفضل الله قرابة أربع سنوات إذ كنت حينها عزباً ، وكان – وفقه الله – يتعاهدني بالزيارة تارة ، بالنصح والتوجيه تارة أخرى طيلة مكثي في تلك المكتبة العامرة الزاخرة .

ثم قدر الله جل وعلا لي الخروج والسكنى في حي آخر بعد تأهلي ، إذ دوام الحال من المحال ، ولكن بقي في قلبي شوق وحنين لتلك الروضة الندية !!

فلا يكاد يهدئ لي بال ، ولا ينشرح لي صدر ، إلا إذا طفت بين أرفف الكتب ، وتجولت في رياض المكتبات ، وربما مكثت بالساعات دون ملل أو سآمة .

ولست أدعي بهذا الأمر كثرة الاطلاع والقراءة – حاشا والله – ولكنه شيء حُبب إليّ فأحببته منذ سنين ، مع يقيني التام أن من جمع الكتب ثم لم يروض نفسه على قراءتها والإفادة منها واهمٌ في طلبه للعلم ، ولا أجد لهذا تفسيرا ً إلا قول صفي الدين الحلي:

وَأَطيَبُ أَوقاتي مِنَ الدَهرِ خَلوَةٌ
يَقَرَّ بِها قَلبي وَيَصفوا بِها ذِهني

وَتَأخُذُني مِن سَورَةِ الفِكرِ نَشوَةٌ
فَأَخرُجُ مِن فَنٍّ وَأَدخُلُ في فَنِّ

وَأَسمَعُ مِن نَجوى الدَفاتِرِ طُرفةً
أُزيلُ بِها هَمّي وَأَجلو بِها حُزني.

وقد كان من تبعاته فيما بعد – بعد زواجي – ، أنني كنت اتعاهد المكتبات وأشتري بعض الكتب ثم أعود بها ليلاً إلى منزلي ، فأضعها ببابٍ وأدخل من باب آخر ؛ لأُدخلها خلسة كي لا يراني أحد حتى زوجتي !
ولكن كانت تفضحني – دون أن أشعر – أغلفة الكتب الشفافة ، إذ كنت ألقي بها دون رويِّة يمنة ويسرة ، وأحياناً بين الكتب ، وأحياناً تلك الأكياس التي أحملها فيها ، إذ هي في الغالب موسومة باسم المكتبة التي اشتريت منها ، فكانت تجدها ، ولكنها لم تكن تسألني عنها – جزاها الله خيراً -، ولم تكن تبدي لي تذمرها من هذا الأمر أو أنها على علم بصنيعي ، وما علمت أنها كانت تعلم بذلك كله إلا قبل أيام !

وصدق زهير بن أبي سلمى :

وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ * وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ

ولعل من طريف ما يذكر في هذا الباب : أن ابن دُريد سمع بعض إخوانه يتذاكرون المنتزهات ، فقال بعضهم : أنزه الأماكن غوطة دمشق، وقال آخرون بل نهر الأُبُلّة ، وقال آخرون بل سند سمرقند، فقال ابن دُريد :
هذه منتزهات العيون ، فأين أنتم من منتزهات القلوب ؟
عيون الأخبار ،لابن قتيبة ،والزهرة ، لابن داود، وقلعة المشتاق ، لابن أبي طاهر .

وخلاصة القول :
ما أجمل أن نصطحب أهلنا وأسرنا إلى منتزهات القلوب ، مثلما نصطحبهم لمنتزهات العيون ، لأن كثيراً من الناس نزه عينه ، وحرم قلبه ، وشتان شتان بين المنتزهين .

بقلم : رئيس المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد بمحافظة بارق .
أحمد بن عامر البارقي.. السبت ٩-٣-١٤٤٠

الوسوم

احمد عامر البارقي

رئيس المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد بمحافظة بارق

‫2 تعليقات

  1. جزاك الله خيرا…ارجو نشر هذا الفكر…وهو فكر الإيجابية والأمل فى الغد الأفضل والسعادة بالحياة الحالية…على عكس الكثير من أحبابنا الكُتاب من بارق الذين أقرأ لهم في صحف بارق المختلفة…فأجد ان مقالاتهم تتشح بالحزن (لماذا؟ لا اعرف) والبكاء على الماضي والأطلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock