المقالات

“ماضٍ فطيم وحاضرٍ رضيع”

تتحرك الأشجان وتهتز أوتار الحنين الى ماضي فطيم .

أيام كان الناس يعيشون الليل لِباساٍ و النهار معاشاً .

 فيه التطبع بالطبيعة و الطبيعة فطرة .

 طبيعة في نقاء الهواء وعذوبة الماء .

طبيعة تتعامل مع ذات الأرواح ليس مع الحديد وقنوات الأشباح .

 هنا تهت بين ماض فطيم وحاضر رضيع  فقد أنشطر عمري إلى شطرين شطر في ماضٍ وشطر في حاضر .

 فقد نشأت في قرية هادئة على شط وادي يبه فيه أرى لمعان الشمس على ماءه مع صفاء السماء .

واليوم لم أعد أره بالمنظار بسبب طمع الأشرار الذين أوغروا فيه فصار كله عوالق وغبار .

زمن كان فيه النهار له خصائصه التي خصه الله بها وفطر الناس عليها .

والليل كذلك له خصائصه التي خصه الله بها .

 فالنهار مابين حركات الناس والحيوانات والطيور وأصوات الناس فيه رافعة التسبيح والدعاء . وهناك أصوات الحيوانات بين رغاء  وثغاء . وطيور لها نغمات الألحان تطرب الأذان .

فهذا الراعي يسوق غنمه للمرعى و أناس يقتادون ثيرانهم ويتبادلون السلام مع جيرانهم متوكلين على الله لحرث مزارعهم باذرين للرزق وساقين له . وآخرون يطرقون أبواب العمل بجميع أنواعه . وهناك نساء منهن من يجلب الماء في القِرب وأخريات في خدمة بيوتهن .

 فلا ترى الناس إلا كخلية نحل ليس فيهم عاطل أو متماطل .

عمل وكفاح في جد وفلاح . هذا هو النهار

 أما الليل فيأتي للسكون والراحة . فيه يلتم البعض على نار خافتة أو سراج أو فانوس . يتحلقون حول العشاء الطبيعي اللذيذ والبسيط يتبادلون الحديث والخبر الصحيح . وبعد العشاء يكون السكون و السكوت عن الكلام المباح حتى الصباح إلا في الأحلام

 وكان أهم ما يميز الناس في ذلك الزمن الفطيم هو صدق الْخَبَر و تصديق المُخْبِر

هكذا كانت الحياة و أهلها بسيطة ببساطتهم وهادئة بهدوء حالهم وصافية بصفاء سجاياهم

أما هذا الزمن الرضيع ففيه عواصف الأخبار بالليل والنهار .

السماء تمطر غُثاء تسيل منه القنوات . فاستمطروها تبث الأخبار بكل اللهجات مُنغِمِةٌ بأصوات المتبرجات إلا من رحِمَ ربي . فيه تحول النهار إلى ليل والليل إلى نهار . به انقطع التواصل بين الناس إلا عبر الآلة والتقنية فقل التراحم وزاد التشاحن بين الأهل والأصدقاء . فيه لا تسمع إلا أصوات نغمات للجوالات وصور في جميع القنوات . فيه أهل البيت كل جالس بمفرده على جهازه يتنقل بين الغثاء إلا من رحم الله .

رحمك الله ياشطراً مضى من عمري وأعانك الله ياهذا الشطر الباقي من العمر على تقلبات الدهر . فأنت في زمنك الحاضر رهين المظاهر وفي أوقات ماضيك كأنها حضارة أبيدت واندثرت .

كان هذا صيداً من صيد  (( ماضٍ فطيم وحاضر رضيع ))

بقلم المشرف التربوي :ــ سالم حامد العماري

‫2 تعليقات

  1. ما شاء الله عليك تصوير رائع لماضي الحب والبساطة … ولحاضر يعج الضجيج في ظل ظروف الزمن الحالي
    بوركت ابا سامي على هذا الطرح المميز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock