المقالات

التفاؤل المطلوب في الشدة والكروب

الحمد لله وحده وبعد :
فقد تمر بالفرد والأمة أزمات وخطوب ، ونوازل وكروب ، تحار فيها العقول ، ويذهل المرء حينها فلا يدري ما يصنع ، وأي سبيل يتبع ، كحالنا الآن مع تموجات الأحداث ، وتضاربات الأخبار ، التي أوقعت البعض في حيص بيص ، وربما والعياذ بالله وقع في ما لا يحمد عقباه.

وهنا لابد من التذكير بخلق إيماني عظيم، حث عليه الإسلام وبين فضله سيد الأنام ، إنه (( التفاؤل ))، ومعناه : التوقعات الإيجابية نحو الحياة بصفة عامة، يستبشر الخير فيها ، ويستمتع بالحاضر ، ويحدوه الأمل في مستقبل أكثر إشراقاً ، وأحسن حالاً.

وتكمن أهميته في كونه علامة على الثقة بالله تعالى ، وكذلك يُكسب القلب قوة وشجاعة يستطيع من خلالها تخطي الصعاب والعقبات، وتلمس الفجر في حالك الظلام ، وفوق هذا وذاك جالبٌ للسعادة والاطمئنان وصحة الإنسان ، إذ به تُحال السحب السود الثقال،إلى ماء عذب زلال .
بل إنه يكسو حياتنا بألوان زاهية بديعة تفيض بهجةً سروراً ، وتخفف من وطأت المصائب والرزايا التي تحل بنا.

وعلى النقيض تماماً فالتذمر والتشاؤم يجلبان الهم والكآبة والحزن والتعاسة

لعمرك ماتدري الضواربُ بالحصى*ولا زاجراتُ الطيرِ ما اللهُ صانعُ

ومهما يكن من أمر فلابد من إشاعة الأمل وروح التفاؤل في حياتنا حتى لو لم تتحقق لنا الأمنيات والرغبات؛ لأن الحياة مع التفاؤل سعادة وراحة، وبدونه شقاء وتعاسة.

أماني من ليلى حِساناً كأنما*سقتني بها ليلى على ظمأٍ بردا
منىً إن تكن حقاً تكن أحسن المنى * وإلا فقد عشنا بها زمناً رغدا

والتفاؤل منهج قرآني حريٌ بنا ان نتدارسه خصوصاً في هذا الوقت الذي تداعت علينا فيه الأمم ورمتنا عن قوس واحدة ، الأمر الذي حمل البعض ممن قل إيمانه على الشعور بنوع من الإحباط واليأس وتلكم هي المصيبة .
ومن تأمل بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، وجد أنها تزرع الأمل في النفوس وتقوي اليقين بموعود الله تعالى ونصره وتمكينه لعباده.
قال تعالى : (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)،وقوله تعالى: ( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) .
فهذا موسى عليه السلام لما أدركه فرعون وجنوده ، فالبحر أمامه والعدو خلفه ، قال تعالى حكاية عنهم:( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لمدركون *قال موسى كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين)، الله أكبر !
إنه هو التفاؤل الحق واليقين بالله عز وجل والإيمان الراسخ ، وما هي إلا لحظات يسيرات حتى ولد الفرج من رحم المعاناة ، فأصبح البحر طريقاً يبساً فسلكوه ونجوا ، والله على كل شيء قدير.

وهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في أشد الساعات حرجاً ، عندما كان في الغار ومعه الصديق رضي الله عنه ، يقول له : يا رسول الله ! لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا .
هنا يأتي الجواب من سيد المتفائلين ، جواب الواثق بربه :
يا أبا بكر ! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!. ( إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا).

وفي غزوة الخندق يتكرر المشهد عندما تعترض الصحابة صخرة عظيمة ، فيستدعونه
فيأخذ المعول ويقول : أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الْأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا “. ثُمَّ قَالَ : ” بِاسْمِ اللَّهِ “. وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ، فَقَالَ : ” اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا (رواه أحمد في مسنده برقم : ١٨٦٩٤). الله أكبر ! إنه التفاؤل وحسن الظن بالله، في زمن الفتن والكروب ، والنوازل والخطوب.

أقول : إن الواجب علينا في هذا الوقت وفي غيره ، أن نربي أنفسنا وأهلينا على هذا الخلق الإيماني العظيم ، رغم تكالب الأعداء، وأن نُهوِّن من شأن العدو ونقزِّم قوته ؛ لما هذا من الأثر الكبير في تحقيق النصر ، وبث روح الشجاعة والبطولة ، متوكلين على الله ، قائمين بحق الله ، باذلين أسباب النصر والتمكين، لأن النصر من الله ( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )،
ولنعلم يقيناً أن النصر ليس مرهوناً بنظرة مادية مجردة للعَدد والعتاد ، وإنما في الصدق مع الله تعالى ، والثقة بموعوده ، ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ).

اللهم انصر إخواننا المجاهدين والمرابطين يارب العالمين ، اللهم كن لهم مُعيناً ونصيراً ، ومؤيداً وظهيراً . والحمد لله رب العالمين.

بقلم / رئيس المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد بمحافظة بارق
الشيخ/أحمد بن عامر البارقي

الوسوم

احمد عامر البارقي

رئيس المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد بمحافظة بارق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock