المقالات

تنبيهُ المُجالِس على أخطاء المَجَالس

الحمد لله وحده ، وبعد : فلا ريب أن للناس مجالس يرتادونها ، وأحاديث يتداولونها ، وتكثر في أوقات الإجازات المحادثات والمسامرات ، وهذه المجالس لها آداب شرعية ، وسنن مرعية ، يحسن بالمرء أن يراعيها ، ويتخلق بأخلاقها.
ولعل المتأمل لأحاديثنا ومجالسنا يلحظ خللاً وتقصيراً في بعض الجوانب ، وهذا المقال في أصله خطبة ألقيتها يوم الجمعة الموافق ١٥- ٥- ١٤٤١ ، في جامع العدن بصعبان ، وقد استحسنها بعض الإخوة الحاضرين ، فهاتفني – مشكوراً – يحثني على كتابتها ونشرها رجاء النفع بها ؛ لأنها على حد قوله : تلامس واقعنا -فجزاه الله خيراً على حسن ظنه- ، وأرجو الله أن ينفع بها الكاتب والقارئ ، وسميتها ( تنبيه المُجالس على أخطاء المَجَالس) ، وهي كثيرة ولعل من أهمها ، وأبرزها :

١- كثرة الكلام بلا فائدة ( الثرثرة ) ، ومن أبغض الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ( الثرثارون ) والثرثار هو كثير الكلام ، قال أبو هريرة رضي الله عنه : لا خير في فضول الكلام، وبعض الناس-هداه الله- إذا حضر مجلساً ملأه بكثرة الكلام الذي لا طائل من تحته .
وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن * ثرثارةٌ في كل نادٍ تخطبُ.

٢- الاستئثار بالحديث : وهو الذي يتكلم ولا يعطي غيره فرصة للحديث ، والصواب أن يكون الحديث مطارحة بين الجلساء إلا لوجود مقتضى لذلك كخطبةٍ ونحوها.

٣- الحديث عن النفس على سبيل المفاخرة ، فيذكر محاسن نفسه ، والأصل في مدح النفس المنع؛ لقوله تعالى ( فلا تزكوا أنفسكم ) . لكن إذا وجد ما يقتضي الحديث عن النفس للتعريف ونحو ذلك فلا بأس.

٤-الغفلة عن مغبة الكلام ، فبعض الناس يطلق لسانه بالكلام دون النظر في آثاره وأبعاده ، قال أكثم بن صيفي : مقتل الرجل بين فكيه.
وإن لسان المرء ما لم تكن له * حصاة على عوراته لدليلُ.
ويروى عن عمرو بن العاص – رضي الله عنه – قوله : زلة الرِّجل عظمٌ ويُجبر ، وزلة اللسان لا تبقي ولا تذر .

٥- الحرص على إبداء الرأي في كل قضية ، والصواب أنه ليس بالضرورة أن يكون لك رأيٌ في كل صغيرة وكبيرة ، والحكمة تقتضي أن يحتفظ الإنسان بآرائه لنفسه إلا إذا استدعى المقام فيكون بقدر الحاجة.

٦- الحديث بما لا يناسب المقام ، ومن ذلك الكلام بالهزل في مواطن الجد ، ومحاولة إضحاك الناس في مجلس يسوده الحزن . قال ابن المقفع : واتق الفرح عند المحزون ، واعلم أنه يحقد على المُنطلِق -الذي يبدو الفرح على أساريره- ، ويشكر للمكتئب .
وكما قيل : لكل مقام مقال .

٧- ترك الإصغاء للمتحدث ، وذلك بمقاطعته أو منازعته الحديث ، أو التشاغل عنه بالجوال ، أو الإشاحة بالوجه ، أو إجالة النظر عنه يمنة ويسره ، وبراعة الاستماع تكون بالأذن ، وطرف العين ، وحضور القلب ، وإشراقة الوجه.
قال مطرف بن عبد الله : لا تُطعم طعامك من لا يشتهيه.

٨- المبادرة إلى إكمال الحديث عن المتحدث ، والصواب أن تنصت له كأنك للتو تسمعه . قال ابن جريج : إن الرجل ليحدثني بالحديث فأُنصت له كأنني لم اسمعه ، وقد سمعته قبل أن يولد.
من لي بإنسانٍ إذا أغضبته * وجهلتُ كان الِحلم رد جوابه
وتراهُ يُصغي للحديث بسمعه * وبقلبه ولعله
أدرى به

٩- القيام عن المتحدث قبل إتمام حديثه بلا أذن أو حاجة . قال أبو مجلز : إذا جلس إليك رجل يتعمدك فلا تقم حتى تستأذنه .

١٠ – التقصير في محادثة الصغار ، وهذا يُخرج لنا جيلاً يسوده التردد ، والخجل الشديد ، وفقدان الثقة بالنفس ، في حين يكون في محادثتهم ومجالستهم زرع وغرس للثقة في أنفسهم ، والجرأة القويمة ، والشجاعة الأدبية .

١١- كثرة المزاح ، الذي ربما يقود إلى الخصومات ، ولا ريب أن كثرته تُسقط الهيبة ، وتُخل بالمروءة ، وتجرّئ السفهاء على كثير المزاح . وقد قيل : من كثر مزاحهُ قلت هيبته.
والمزاح يكون بمقدار ما يُعطى الطعام من الملح، ولا بأس بالمزاح المعتدل .
أفِد طبعك المكدودَ بالجدِ راحةً* يُجِمُ وعللهُ بشئٍ من المزحِ
ولكن إذا اعطيته المزح فليكن * بمقدار ما تُعطي الطعام من الملحِ .

١٢- القيام بما ينافي الذوق والأخلاق ، ومن ذلك :
– وضع الرجل بشكل لا يليق.
– تخليل الأسنان.
– إدخال الأصبع في الأنف، ونحو ذلك.

١٣- التقدم بحضرة الأكابر ، ومن ذلك :
– تقدم الولد على والده في الحديث، أو عند الدخول لمناسبة .
– الجلوس في مكان مُعدٍّ لغيره .
– تصدر المجلس مع وجود من هو أكبر منه سناً أو مكانةً .
قال الأحنف : ما جلستُ في مكان أخاف أن أُقام منه لغيري .

١٤- قلة التفسخ في المجالس ، وهذا ناتجٌ عن ضيق في النفس وحب في الاستئثار ، قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا )، قال السعدي : والجزاء من جنس العمل ، فمن فسح لأخيه فسح الله له ، ومن وسع لأخيه وسع الله له.

١٥- الإخلال بأمانة المجلس ، بنشر ما يقع فيها ، وإفشاء أسرارها ، وفي الحديث : ” المجالس بالأمانة “، أخرجه أبو داود في سننه.

١٦- قلة المبالاة بذكر كفارة المجلس، وهي :” سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك .

والحمد لله رب العالمين .

بقلم رئيس جمعية الدعوة والإرشاد بمحافظة بارق ، الشيخ أحمد بن عامر البارقي -.

الوسوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق