المقالات

كورونا البشر ، دروس وعبر

الحمد لله وحده وبعد :
يسود العالم هذه الأيام مرض مهلك ، وفيروس مفزع ، منذ أشهر لم يهدأ زئيره ، ولم تنطفأ ناره ، كلما عولج في مكان ظهر في مكان آخر ، وكلما أُخْمِدَ من مكان ثار من مكان آخر ، وها هو اليوم يحصد الآلآف من البشر ، وقد بات يهدد حياة البشرية ، ليتحدى جميع القدرات والإمكانات العصرية ، كاد أن يشل الحياة في بعض البلدان .
لكننا كمسلمين لسنا كبقية الناس في التعامل مع هذا الحدث الجلل ؛ لأننا نمتلك – بحمد الله – عقيدةً ننطلق منها ، لنوقن أن هناك من يُدبِّر الكون ويقول للشيء : كن فيكون .
ونعلم يقيناً أن هذه الأوبئة إنما هي تخويفٌ للناس لعلهم يتوبون ويرجعون ، قال تعالى ( وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا)(الْإِسْرَاءِ: ٥٩) ، فالله جل جلاله يرسل من الآيات والعبر ما يؤدب به البشر ، وذلك عندما يتكبرون ويتطاولون ويطغون، فحينئذٍ يُنزل الله – جل جلاله – على عباده ما يذكرهم بضعفهم وحاجتهم وقلة حيلتهم ؛ لعلهم يرجعون ويدَّكرون .
ولا شك أن الذنوب والمعاصي ، هي السبب الرئيس في مثل هذه الكوارث . هذه هي الحقيقة التي لا محيدَ عنها ، ولا مفرَ منها ، قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ( الروم : ٤١ ) ، وقال جل ذكره ( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (الكهف ٥٩) .
ولذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من المعاصي والذنوب ؛ لِما لها من آثار سيئة وخطيرة على الفرد والمجتمع ؛ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فزعاً على زينب بنت جحش – رضي الله عنها – وهو يَقُولُ : ” لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ “. وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بْنَتُ جَحْشٍ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : ” نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ “. رواه البخاري ح / ٣٣٤٦. ويقول علي – رضي الله عنه – : ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا رُفع إلا بتوبه .
فعلينا جميعاً أن نعي هذه الرسالة الربانية لكل البشرية ، وأن نفهم مضمونها وما حوته بين طياتها ، وأن نستفيد من مطارق السنن الإلهية ، وأن نعتبر بما نرى ونسمع ، فإلى متى الغفلة ؟ وإلى متى تسويف التوبة ! ونحن نُحاط بالمواعظ والعبر . قال تعالى ( أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (التوبة :١٢٦) .

إقرأ القرآن إذ فيه العِبر * ضل قوم ليس يدرون الخبر

فما نراه من هذه الكوارث والمحن والأمراض التي تُصيب العالم بهذه القوة، إنما هي مواعظ للعباد ، والاستعداد ليوم المعاد.
فالواجب علينا أن نرجع إلى ربنا ، ونفر إليه بالأعمال الصالحة ، وأن نكثر من التوبة والاستغفار ، والذكر ، والصدقة ، لعلَ الله أن يكشف الغمة عن هذه الأمة .
كما يجب علينا أيضاً أن نأخذ بالأسباب والاحتياطات الوقائية ، وألا نكابر ونتغافل عن سنن الله الكونية ، التي سنَّها رب الأرباب ، ومسبب الأسباب ، نعم: الأعمار مكتوبة ، والآجال محدودة ، والأرزاق مقسومة ، ولكن الأخذ بأسباب النجاة والسلامة مطلب حثت عليه الشريعة ، وإهماله قدح في العقيدة .

وختاماً :
شكر الله لهذه الحكومة المباركة نظير ما تقدمه لمواطنيها ومقيميها من خدمات، ومبادرات، وتحصينات ،واحترازات ، تُجاه هذا الداء العضال ، والسهم القتال ، في حين نرى دولاً تركت رعاياها وشعوبها تواجه صعوبة المصير دونما تحرُّكٍ للضمير ،
أما نحن فبحمد الله شأن حكومتنا شأن آخر ، وما ذاك إلا لما تستشعره هذه القيادة الرشيدة من عظم الأمانة والمسؤولية ، وما ذاك عليها بغريب .
فُحق لنا أن نفخر ونفاخر ب( مملكة الإنسانية : المملكة العربية السعودية ) .
اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا وحكامنا وعلمائنا .
اللهم ادفع عنا هذا الوباء وعن سائر بلاد المسلمين ، والحمد لله رب العالمين .

بقلم / الشيخ أحمد بن عامر البارقي ، رئيس جمعية الدعوة والإرشاد بمحافظة بارق ، ضحى الجمعة ٢٥ / ٧ / ١٤٤١.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى