المقالات

إعمارُ المنزلِ بغنائمِ الحجرِ وحظر التجول

الحمد لله الذي خلق الخلق من تراب ، وفاوت بينهم في العقول والآداب ، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد الحَضَر والأعراب ، أما بعد :
فهذه حروف وكلمات اختلجت في النفس منذ أيام ، عَنَّ لي أن أدونها ، ثم أنشرها ، عسى الله أن ينفع الله بها الكاتب والقارئ والناشر ، وهي تدور في فلك نازلة العصر ( فايروس كورونا ) ، فأقول مستعيناً بالله :
إنَّ من أجلِّ النعم العظيمة التي ينبغي أن يُذَّكرَ الناس بها في هذا الوقت تحديداً ، نعمة غفل عنها الكثير من البشر ، ألا وهي : نعمة ( الزمن ) ؛ لأنه هو الحياة ، وميدان وجود الإنسان ، وساحة ظله وبقائه ونفعه وانتفاعه . قال تعالى ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) الأنفال: ٣٣. وقال صلى الله عليه وسلم ” نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ” ، أخرجه البخاري في صحيحه (٦٤١٢). فالزمن نعمةٌ جُلَّى ومنحةٌ كبرى، لا يدركها إلا الموفقون ؛ لذلك قال : مغبون فيهما كثير من الناس . فبيَّن أن المستفيدين من ذلك قلة، وأن الكثير- بكل أسف- مفرط مغبون ؛ فالواجب علينا ألا نغتر بالرخاء ، فقد تعرض لنا حالات الضعف وعوادي الأيام وتقلبات الزمان، وقد تحول بيننا وبينها حتوف وظروف، وغير خاف على أحد ما يمر به العالم بأسره من فواجع هذه الجائحة العظيمة( كورونا )، الأمر الذي أقض مضاجع دول العالم واستنفرهم؛ لنجد أنفسنا كغيرنا من العالم أمام حزمة من الاجراءات الاحترازية والوقائية … ومن جملتها ” الحجر المنزلي وحظر التجول ” .
وفي تقديري،أن هذا الحجر والحظر ،نعمة لا بُدَّ من استثمارها واغتنامها ، لإنجاز الكثير من الأعمال التي شُغلنا عنها بالأيام ، بل ربما بالأعوام .
ولا ريب أنَّ من أجل ما يصرف فيه هذا الزمن – أعني الحجر – ، عدة أمور ، منها :

*أولاً * : ✍ المراجعة الشاملة لماضٍ نسيناه وحاضر عشناه ، فينظر كل واحد فيما قدم ، فإن كان خيراً حمد الله واستزاد ، وإن كان غير ذلك التفت لاستدراك ما فات ، وقد أُمرنا بالمراجعة والمحاسبة وتفقد الحال، والاستعداد ليوم المعاد ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) الحشر : ١٨.

*ثانياً*: ✍ اغتنامه بالعكوف على القرآن الكريم ، تلاوةً ومراجعةً وحفظاً ، لا سيما أن شهر رمضان – شهر القرآن – على الأبواب ، فهي فرصة مواتية للتلاوة والحفظ والمراجعة. ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) الإسراء : ٩.

*ثالثاً *: ✍ الإفادة من البرامج المفيدة على شبكة الإنترنت من خلال ما يُبث فيها من ( دروس ، محاضرات ، أفلام وثائقية ، برامج تعليمية …) مع الأخذ بالاعتبار – سلامة العقيدة وصحة المنهج فيما يخص الدروس والمحاضرات.

*رابعاً*: ✍ الإفادة من وسائل التواصل الاجتماعي في الالتحاق بالدورات المناسبة والمفيدة في الدين والدنيا.

*خامساً*: ✍ التهيؤ التام والاستعداد الجيد للضيف القادم( شهر رمضان ) بتطهير النفوس وإصلاح القلوب ، وتعلم أحكامه وفضائله .

*سادساً *: ✍ الإفادة من دروس الزمان وعبر الأيام – وما أكثرها في زماننا – .
نطقَ الزمانُ فكان أبلغُ واعظٍ * بمواعظٍ عنها الفؤادُ يترجمُ
أهدى لنا عِبراً بغير عبارةٍ * إن الزمان هو الفصيح الأعجمُ

*سابعاً* : ✍ رسالة إلى كل رب أُسرة ، أيها الأب الفاضل : هذه فرصتك للجلوس مع أسرتك ، والقرب منهم ، فلا تبخل عليهم بالنصح والتوجيه والإرشاد ، فهم بحاجتك ، فما أجمل أن تحدثهم عن قصص سمعتها ، ومواقف عشتها ، وتجارب خضتها ، ودروساً تعلمتها ، تكون رصيداً معرفياً لهم من خلالك ، وصدقني لن ينسوا لك هذه المجالس ما عاشوا ، وسيظل عبقها ينشر عطره في حياتك وبعد مماتك .

*ثامنا*: ✍ إلى كل أُمٍ عظيمة وربة منزل كريمة ، الله الله بالصبر والتحمل واحتساب الأجر ، والتغافل وسماحة النفس؛ لأن طول مكوث الأب والأولاد بصفة دائمة في المنزل ربما تسبب في خلق المشاكل ، وربما الخلافات – لا قدر الله- ، لا سيما أن بعض الآباء ضيق العطن ، وسريع الاشتعال كالكبريت، فالصبر الصبر ، ومن يتصبر يصبره الله، وعمَّا قريب يتلاشى الظلام ويبزغ الفجر – بإذن الله.
وصلى الله على نبينا محمد .

بقلم/ رئيس جمعية الدعوة والإرشاد بمحافظة بارق الشيخ أحمد بن عامر البارقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى