المقالات

اليوم الوطني التسعون (حُبٌّ وانتماء، تجديد ولاء)

مشاعري اليوم تفترش الأخضر من العشب، وتتَفَيَّأُ ظلال الأبيض من الورد، تنتشي بذكراكَ التي أنتظرها كلّ عام لتمسح عن جبيني الحزن، ويأتي الفرح مع رياح ظهورها، ويبتسم القلب خافقاً كأيام الصبا الأولى، لا أصدق أعدائي ولا أصدق الحاسدين الذين يريدون أن يفتنوا بيني وبينك، وينسوني ذكراك المعطرة، التي ستبقى ركنًا راسخًا في قلوب محبيك.

عندما أردد اسمك على شفتاي أجده لحنًا دافئًا، تتناغم معه الخطوات خفيفةً رشيقة وكأنّها تعلم أن سبيل السعادة هو التمسك بك وعدم التفريط فيك.
لم أستطع أن أمنع نفسي من استعراض شريط الذكريات، الذي جعل الماضي يتجسد أمامي في صور جميلة متلاحقة، كلُّ ملامحِها تشرحَ النّفسَ، وكلُّ لحظاتِها تُسْعِدُ الخاطرَ ، لأنّكَ أنتَ بطلُها .
لقد كانت الرسائل التي ترسلها لي كلّ عام في نفس الموعد تزيد ما بيننا من حبٍّ وعشق، فما أنتهي من قراءة رسالتك وتأملها إلّا وأتشوق ليأتي نفس اليوم من العام القادم لاستقبل رسالة أخرى تزيد من الألفة والمحبة.
لقد كانت كلّ رسائلك تحمل عبق الماضي، وتطلعات الحاضر، وحلم المستقبل كلّ رسالة منك كانت تلامس قلبي فتبعث عمرًا جديدًا من الحب والجمال والحياة.
ألا أنبئكم بذلك المحبوب ؟!
إنّه الوطنُ!
إنّه وطني!
الذي امتلأ القلبُ بحبه، فالحياة لا أراها إلا بنمائه وتقدمه، والسعادة لا أشعر بها إلا عندما نتنفس بحاضره ومستقبله، ونبصر الرقي بعيونه…
فهل نحب سواه ؟!
كثيرةٌ هي المناسبات التي يمرُّ بها الإنسان وتمرُّ به، لكن التي ترسخ في الذاكرة قليلة جدًا، والتي يختزنها القلب وتطرب لها المشاعر والحواس وينتظر عودة لحظاتها الفكر نادرة للغاية، ومن تلك المناسبات مناسبةُ اليوم الوطنيّ للمملكة العربيّة السعوديّة التي نسعد بذكراها في اليوم الثالث والعشرين من سبتمبر من كلّ عام.
كيف لا نسعد ونحن نَتَفَيَّأُ ظلال بركات هذا التوحيد للمملكة العربية السعوديّة كلّ يوم، ونعيش معه في حياتنا اليوميّة.
ألم نكن أشتاتاً فتوحدنا؟! ألم نكن في فرقة فاعتصمنا؟! ألم نكن في خوف فأمِنّا؟! ألم نكن في جوع فطعمنا؟ ألم نكن في فقر فاغتنينا؟! ألم نكن في تخلف فنهضنا؟! وصرنا طليعةً وحضارةً ونماءً وتقدماً وأنهاراً من النعم وواحاتٍ من السعادة !!! فتأتي ذكرى هذا اليوم العظيم؛ لتذكرنا بهمة المؤسس – الملك عبد العزيز – وحنكته العالية، وبصيرته النافذة، وعزمه الذي لا يُفلّ، وتصميمه الذي لا يخور، وجهوده التي سطرها التاريخ للأجيال في كل مكان .
إن الفجر الذي ينبثق كلّ يوم، وتشرق شمسه على تراب هذا الوطن هو شاهد على ولادة هُوية وطنية متجددة، تحمل كلّ إنسان على تراب هذا الوطن إلى تذكر هذه المناسبة الوطنية الغالية التي أعطت للوطن قيمةً، وانتماءً، وهوية، وشغفاً بحب المكان والزمان.
يتحتم علينا ونحن نعيش هذه الذكرى المباركة أن نتذكر التضحيات الجسام التي قدمها المؤسس الملك عبد العزيز آل سعود -رحمه الله – حتى أصبحت بلادنا في أمن وطمأنينة ورغد في العيش، وسعة في الرزق، فاللهم لك الحمد والشكر، وجزاه الله عنا خير الجزاء.
كما يتحتم علينا أن نفكر في كيفية المحافظة على هذه الإنجازات بكل الطرق؛ ومن هذه الطرق استشعار أهمية الانتماء لهذا الوطن بكل الوسائل قولا وعملا وحسَّا، ثم طاعة ولاة الأمر الذين لم يدّخروا جهدًا في مواصلة مسيرة موحد هذه البلاد، وتذليل كل الصعوبات لأجل راحة من يعيش على تراب هذا الوطن؛ لأن قاعدتهم الأساسية (الإنسان أولًا).
لذلك يجبُ على كلِّ سعوديٍّ أن يحتضنَ ترابَ هذا الوطن ، ويُقَبَّل جبينه ،وينْحتَ له في قلبه آلاف المعاني والصور ،ودُمتَ يا وطِني شامخًا.

بقلم/ د. زاهر حسين الفيفي
رئيس قسم اللغة العربية
كلية العلوم والآداب بمحايل عسير
جامعة الملك خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى