المقالات

كشف المتواري من سيرة وصحيح الإمام البخاري

الحمد لله وحده وبعد ، فليس بغريب مانراه ونسمعه هذه الأيام من نكرات لا ناقة لهم ولا جمل في علم الحديث وفنونه ، بل كان لهم أسلاف خلوا ومضوا بخيبتهم ، وأمات الله ذكرهم وأبقى سيرة هذا الجبل الأشم حاضرة على مر العصور والأزمان ، وكم تمنيت أن يقرأوا سيرة هذا الإمام الذي قل نظيره وكذلك ما قاله أهل هذا الشأن في صحيحه صحةً ، وفقهاً ، واستنباطاً ، وتبويباً… ؛ ليتعلموا قبل أن يتكلموا ، ولكن لا غرابة ، فإن من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب !

قال العراقي في ألفيته :
أولُ من صنف في الصحيحِ
محمدٌ وخُصَّ بالترجيحِ
ودفاعاً عن السنة النبوية المطهرة، ومحبةً للإمام البخاري ، أمير المؤمنين ، وسيد المحدثين ، وأستاذ الأستاذين ، جامع أصح كتاب بعد كتاب الله – عز وجل ، سطرت هذه الكلمات ذكرى لي ولكل من وقف عليها ، سائلاً ربي أن يلهمني رشدي ، ويقيني شر نفسي ، وهو الهادي إلى سواء السبيل
فأقول مستعيناً بالله :
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري ، ولد عام ١٩٤هـ ، وقد أُلهم حفظ الحديث وهو في العاشرة من عمره ، أدى فريضة الحج وهو في السادسة عشرة من عمره ، وبقي في مكة بعد أدائه الحج يطلب العلم ، وله مؤلف في علم الرجال ترجم فيه لجمع عظيم من رواة السنة ، سماه ( التاريخ الكبير ) ، وسبب تأليفه للصحيح أنه كان عند شيخه إسحاق بن راهوية فقال الشيخ لطلابه : لو جمعتم كتاباً مختصراً فيما صح من سنة رسول الله عليه وسلم ، فوقع ذلك في قلب البخاري، فانتقاه من آلاف الآحاديث ، وسماه ( الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه )،وكان من شدة ورعه وتحوطه يقول : ما وضعت في كتابي هذا حديثاً إلا واغتسلت وصليت ركعتين . وقال أيضاً : ما أدخلت في هذا الكتاب إلا ما صح . وقد مكث في تأليف صحيحه ستة عشر عاماً ، وعدد كتبه : ١٠٠ ، وأبوابه : ٣٤٥٠ ، ومشايخة : ٢٨٩، وأسانيده الثلاثية : ٢٢ ، بدأ صحيحه بكتاب: (بدء الوحي) ، وختمه بكتاب ( التوحيد ) ، وعدد أحاديثه بالمكرر : ٧٣٩٧، وبلا تكرار : ٢٦٠٢.
وقد تجاوزت المؤلفات عليه ٥٠٠ كتاب – فيما أذكر ، ما بين شارح ، أومعلق ، أو مختصر ، أو بيان مشكل ، ومن أهم شروحه:
– فتح الباري ، لا بن حجر
– فتح الباري ، لا بن رجب
– إرشاد الساري ، للقسطلاني
– عمدة القاري ، للعيني
الكواكب الدراري ، للكرماني .
وأفضل طبعاته : السلطانية (بولاق) ،
و دار طوق النجاة ،
والسلفية ،
والمكنز الإسلامي .
ومن عجيب ما يذكر عنه ما حكاه النجم بن فضيل حيث قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام كأنه يمشي والبخاري يمشي خلفه ، فكلما رفع النبي صلى الله عليه وسلم قدمه ، وضع البخاري قدمه في المكان الذي رفع النبي صلى الله عليه وسلم قدمه .
وكان له – رحمه الله هيبة عظيمة ، يقول محمد بن سلام البيكندي : كلما دخل عليَّ هذا الصبي – يعني البخاري ، تحيرت ، وأُلبس علي أمر الحديث ، ولا أزال خائفاً مالم يخرج .
وقد ذكروا أن حفاظ الدنيا أربعة :
– البخاري في بخارى
– ومسلم في نيسابور
– وأبو زُرعة في الري
– والدارمي في سمرقند .
قال عنه إمام الأئمة ابن خزيمة : ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من البخاري ، وقال علي بن حجر : قل في أدب الدارمي ما شئت ، وقل في علم البخاري ماشئت . وقال عنه قتيبة بن سعيد : رُحِلَ إليَّ من الشرق والغرب ، وما رحل إلي كالبخاري، وقال عنه الإمام أحمد : ما أخرجت خراسان مثل البخاري .
وكان رحمه الله قليل الكلام ، عفيف اللسان ،
وقد ألف صحيحه في المسجد الحرام ، وعرضه على جمع من الأئمة ، وهم : الإمام أحمد ، وعلي بن المديني ، ويحيى بن معين ، فاستحسنوه . وقد كتب رحمه الله عن ألف وثمانين رجلاً ( ١٠٨٠) ليس فيهم إلا صاحب حديث . ولذلك قال الذهبي : لو رُحِل من مسيرة سنة – يعني سماع صحيح البخاري ، لما فرَّط ، وهو أعلى الكتب الستة سنداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أ.هـ.

صحيح البخاري لو أنصفوه
لما خُطَّ إلا بماء الذهب

وأما حفظه فأمر عجب ، ومن ذلك أنه لما أراد بغداد وسمعوا به ، اجتمع له بعض أصحاب الحديث وامتحنوه في مائة حديث قلبوا أسانيدها ومتونها ، فأجابهم عنها وزاد ، فأقرَّ له الناس بالحفظ .
وكان جهابذه المحدثين ، كالحميدي ، ونعيم بن حماد ، والخلال، يهابون البخاري ويقضون له على أنفسهم في المعرفة والنظر .
وكان علماء مكة يقولون : البخاري إمامنا وفقيهنا وفقيه خراسان .
ولما سُئِل الدارمي عن حديث وقيل له : إن البخاري يصححه ، قال : البخاري أبصر مني . وقال الإمام مسلم له ذات مرة : دعني أقبل رجليك يا أُستاذ الأستاذين ، وسيد المحدثين ، وطبيب الحديث وعلله .
وكان – رحمه الله- عندما يقع فيه بعض الناس يقول ( إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) .

توفي رحمه الله وعمره اثنان وستون عاماً بسمرقند سنة ٢٥٦هـ، فلما جاء خبر وفاته الإمام الدارمي ، أنشد :

إن تبقَ تُفجعُ بالأحبة كُلِهِم. وفناُ نفسِك لا أبالك أفجعُ.

*والخلاصة*
أن الطاعنين في البخاري وصحيحه ، هم في الحقيقة إنما يطعنون في السنة النبوية المطهرة ، تصريحاً أو تلميحاً ، وما حالهم إلا كما قيل:
كناطحٍ صخرةً يوماً ليوهنها
فلم يضرها ، وأوهي قرنَهُ الوعِلُ

والحمد لله رب العالمين .

بقلم / رئيس جمعية الدعوة والإرشاد بمحافظة بارق – الشيخ أحمد بن عامر البارقي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى